كان الجو خانق
ورائحة زيوت وشحم تملأ الهواء
وكان ثمة غبار عالق فى الاجواء
ارتسم على وجهى ملمح عدم ارتياح
وبدأت أفكر ان ألملم خطواتي
وارجع من حيث أتيت
تذكرت ان لا مفر من الذهاب
وإن تحججت اليوم بسوء الأحوال الجوية
فغداً لا يوجد لدى ما اتحجج به
وإن أجلاً أو عاجلاً
سأتمم الأمر
إذن ... لا داعي للتأجيل أكثر من هذا
ويجب ان اواجه الموقف
ما ان ركبت سيارة الاجرة
التى تدعى فى مدينتنا اللعينة بالــمخصوص
وما ان بدأ السائق بالتحرك عدة مترات
حتى اصبت بدوار خفيف
وعلى اثره اصطدم رأسي بتابلوه السيارة
توقف السائق
ونظر لى بإندهاش مشوب بقلق بالغ
ولم يدرى ماذا يفعل بي
وجه لى سؤال بنبرة مرتعشة
ايه يا أنسة ... ايه اللى حصل؟
كنت انا نفسي لا اعرف ماذا حدث
كنت اشعر بسخونة فى وجهى وانفي
فأخذت اتحسس اسفل انفي
و وجدت اصابعى ملوثة بالدماء
فلقد اصبت نتيجة ارتطام راسي بنزيف فى الانف
بدأت قطرات الدم تتساقط على ملابسي
فوجه لى السائق سؤال بنبرة اكثر رعبا
تحبي اوصلك للمستشفى
فهززت رأسي بالموافقة دون ان اتكلم
كنت قلقة للغاية
وقدرتى على التفكير تلاشت
كعادتى دائما عندما اوضع تحت ضغط
لا اجيد التصرف
واحتاج الى وقت للتفكير لأعرف ماذا سافعل
كل ما فعلته هو ان ارجعت راسي الى الوراء
محاولة منى ان اوقف النزيف
واخرجت محارم ورقية من حقيبتى
وبدات اكفن انفي
عندما وصلت الى المشفى
لم يرد السائق ان ياخذ منى اية نقود
وعرض علي ان ينتظرنى كى يقلنى الى اي مكان اريد
شكرته واصريت على دفع اجرته
وطلبت منه الانصراف
كنت اشعر بان خطواتى ليست على مايرام
واننى اترنح بشكل ما
وكنت على صواب
حيث رأنى عامل الامن على هذه الحال
فطلب من احدهم .... كرسي بسرعة يا ابراهيم
جلست على الكرسي المزود بالعجلات
وجرني احدهم الى منطقة الطوارئ
كانت الدماء قد لوثت ملابسي بطريقة فجة
سالنى الطبيب بضعة اسئلة
ثم قام بالضغط على انفي عدة ضغطات
ثم وضع قطعة قطن مغموسة بمحلول الافرين
فى فتحة انفي اليمنى
وطلب منى ان امدد على الفراش لمدة خمس دقائق
قام خلالها بقياس الضغط
و وجده عالي قليلا
بمجرد ان اتخذت وضعية التمدد
حتى شعرت بنعاس بالغ
فقررت اننى ساذهب الى منزلى
ولن اتمم الامر
فاتصلت به
محاولة منى ان الغي الموعد
وقلت له كل ما مررت به
لعل وعسى ان يشفق علي ويتركنى اذهب لحال سبيلى
ولكنى سمعت صوت قهقهته من الناحية الاخرى
وقال لى
ماتحاوليش تهربي يا مدام نوران
انا فى انتظارك
تحججت بملابسى الملوثة بالدماء
فأصر على حضوري
كنت اعرف فى قرارة نفسي
ان الامر برمته يعود الي
وإن قررت اننى لن اذهب فلن اذهب
وان قررت ان اذهب فسأذهب
وانه لا يملك منى شيئا
وعدم ذهابي ليس خسارة له
ولكنه خسارة لي
فقررت ان اتمم الامر
كنت اعلم تماما ان جلسة العلاج اليوم
لن تكون كباقي مثيلاتها
وانها ستكون قاسية اليوم
واننى ساواجه اولى مخاوفي
عندما رانى
شاور على الدماء
وضحك وقال لى
كل الدم ده علشان ماتجيش النهاردة
ابتسمت وتمسكت بصمتي
ونظرت له نظرة مفادها انه شرير قاسي القلب
لا يأبه بألامي
وكأنه يقرأ افكارى
فهز اكتافه
وقال لى مبتسما
محدش ضربك على ايدك
لو ماكونتيش عايزة تيجى
مكونتيش هاتيجى
انتى بالذات محدش يقدر يجبرك على حاجة
يعنى انتى هنا بمزاجك
مش علشان انا اصريت انك تيجى
فبلاش تلعبي دور الضحية وتحسسينى بالذنب
فضحكت واصريت على التمسك بصمتى
كنت اتوقع ان يقوم_ اولا_ بعدة محاولات نقاشية عبثية
كي يخرجني من صمتى
قبل ان يواجهنى به
ولكنه كان محترف
واثق
قاسي
لم يعر صمتى اى انتباه
وفجأة ... واجهنى به
بمعذبي
فتخليت عن صمتى بشهقة عالية فزعة
وتخليت عن مقعدى و ابتعدت قدر ما استطيع
كنت اعرف اننى سأواجه الامر
ولكنى لم اعرف اننى ساواجه الامر بتلك الواقعية القاسية
كنت اتوقع ان يرينى بضعة صور له
ولكن أن يأتيني به
ويجلسه امامي ... هكذا؟
و بدون ادنى حواجز بينىي وبينه؟
وعلى مسافة قريبة مني جدا؟
!!!
حقاً ... يا له من قاسي القلب
نظرت له مستغيثة
ان يجعله يرحل
ولكنه نظر لي بصرامة
وقال لى بنبرة آمرة
انظرى اليه جيدا
لم استطع ان انظر له بثبات
كانت نظراتى زائغة
وبدأت اختنق وبدأت انكمش على نفسي
وبدأت القشعريرة تسرى فى جسدي كله
وبدأت احتضن نفسي بنفسي
وبدأت اهذى بكلمات الرجاء والتوسل
بأن يخرجه فى الحال
لا اريد ان اعالج بهذه الطريقة
فهي لن تجدى معي نفعاً
اصر هو على ان انظر الى معذبي
واصريت انا على ان اتحاشى النظر اليه
فأصر اكثر
فأوشكت انا على البكاء
والتقطت حقيبتى وهممت بالانصراف
فقالى لى
طيب خلاص خلاص ... اقعدى يا مدام نوران
مش لازم النهاردة الموضوع ده
فقلت له بنبرة مليئة بالخوف
طيب خرجه برة الأول
فهز رأسه بالموافقة
ورفع سماعة الهاتف
ووجدته يطلب من مساعده الحضور
عندما دخل المساعد الى الغرفة
قال له وهو يشاور الى معذبي
خد العنكبوت ده بره
فقلت له صارمة
قبل ما ياخده يموته الاول قدامى
فنظر لى وابتسم
وقال لسكرتيره
اعمل زى ما المدام قالتلك
ففعل ما أمرت به
وخرج مساعده حاملا جثة معذبي الى الخارج
وتنفست انا الصعداء
______

