Wednesday, December 21, 2011

كـمـا تـديـن


قصة قصيرة
______

حين ماتت والدتي

بكيت و انتحبت ونكست رأسي

و وقفت محنية الجسد فى مقدمة صفوف العزاء

ورسمت الحزن على ملامحي

واستخدمت كل ايحاءات لغة الجسد وكل تعابير الوجه

التى تتناسب ورهبة الموت وحزن الفراق

وتغيرت نبرة صوتي .. فقد كنت اضيف عليها طابع الحزن

ولكن بداخلى كنت احمد الله على فراقها

ويكاد قلبي يرقص فرحا برحيلها


فوالدتى كانت تعدت الثمانيين

وفى اخر سنوات عمرها اصابها الزهايمر

وكنت انا الوحيدة من ضمن اخواتي

التى كانت تتناسب ظروفها لتستضيف والدتها

فأنا انثي

وهذا سيفيد عند تنظيف امي جسديا

فاخواتى الذكور سيصابون بالإحراج عند تحميمها

ولا يصح بالطبع أن تحممها احدى زوجات اخواتي

واختى لا تعيش في نفس البلد


فتطوعت انا باستضافة امى

واخواتى لم يمانعوا

بل رحبوا كثيرا


وهكذا بدأت سنوات من رعاية امى المريضة بالزهايمر

و ما ادراكم ما الزهايمر


تنسى امى انها تناولت طعام الفطور

فاضطر ان اعيد تحضير الطعام اكثر من مرة

وتنسى امى اسمى وتعتقد انى الخادمة

فيحز فى نفسي كثيرا

فأتعصب دفاعا عن كرامتى

واقول لها اننى لست بخادمة ... انا ابنتها

فتشوح بيدها فى وجهى وتقول لى بلا مبالاة

"يا شيخة روحى كدة"

وتنسى انها امى وتعتقد انها ابنتي

وتنسى انها احتست الشاى

وتنسى

وتنسى

وتنسى

وتنسى

وهكذا الكثير من النسيان


بالاضافة الى التبول اللاإرادى الذي يصيب كبار السن

ورغم استخدامى للحفاضات الخاصة

إلا ان رائحة النشادر ملأت منزلى


فى بادئ الامر كنت اعتقد انها " بتستهبل "

وحين عرفت انه الزهايمر لا محالة

حاولت ان اتكيف مع الأمر

ولكن كنت اذا تحملتها يومين كنت لا اتحملها اليوم الثالث

فتنفجر اعصابي فيها

واعاملها وكأنها واعية

فيعلو صوتى عليها

واعاتبها

واحلف لها انها تناولت الفطور

واننى لست الخادمة

واننى ابنتها ولست امها

و

و

و

و

و


كان الأمر يقف عند صوتى العالي معها

ولكني لم اتمالك نفسي يوما

و وجدتنى وقد صفعتها على وجهها


نعم .. صفعت امى على وجهها

استفزتنى كثيرا بنسيانها للأمور وعنادها

ورفضها للنظافة الشخصية

وعدم رغبتها فى الاستحمام

فصفعتها


نعم صفعتها

ولم اشعر بأي ندم

فكانت تتصرف بغباء

وتتصرف كالأطفال

لم استطع التحمل اكثر من ذلك

فصفعتها


يوما اخر

كنت اغير على جرح ما فى احدى قدميها

فاستفزتنى بشكل ما

فضغطت بكل غيظ على جرحها بكلتا يداي

فتألمت وقالت لى

"ليه كدة يا بنتي .. ليه تضغطى علي الجرح كدة .. انتي كدة بتوجعيني "

صرخت فى وجهها ان تصمت

كنت فقط اريدها ان تصمت

ان تتوقف عن استفزازها لي


كنت اشتكى لإخوتى الذكور من تصرفاتها

كانوا يعرضون ان ياخذونها

وكنت اوافق كى استمتع ببعض الراحة

ولكن ما يلبث ان يمر اسبوع

ثم يحضرونها اليّ


عرض عليّ ابن شقيقتي الكبرى

ان نذهب بها الى احدى دور المسنين

ولكنى رفضت بشدة


لم ارفض حبا فى امى

ولكن رفضت خوفا من المجتمع ونظرات الناس

رغم موافقة اخواتى الذكور على اقتراح ابن شقيقتى

ولكن انا رفضت

كنت اشعر بمسؤلية ما تجاه والدتى

واننى يجب ان اتحملها رغم تعبي معها


تحملت امى

ورعيتها بقدر استطاعتى

وماتت

وبكيت انا امام الاخرين

وقلبي بداخلي يرقص فرحا


مرت ثلاثون عاما على وفاة والدتي

و انا الان على مشارف الثمانيين

وابنتى الكبرى

هي الوحيدة من ضمن ابنائي

التى تتناسب ظروفها لتستضيفني

اذا ما اصابنى الخرف والزهايمر


اعرف ان ابنتى ستتحملنى وسترعانى

ليس حبا في

وليس خوفا من نظرات المجتمع

فإبنتى تلك لا يهمها نظرات المجتمع

ولكننى ربيتها على تحمل المسؤلية

مهما كانت المسؤلية كريهة


وانا اعلم

ان مسؤلية رعايتى في شيخوختي ستلقى على عاتقها

وستكون مسؤلية كريهة على قلبها

لذا انا متيقنة من ان ابنتي لن توافق

على ذهابي الى احدى دور المسنين

اذا ما اقترح عليها احد اخوتها ذلك


ولكني متيقنة أيضا

من انها ستصفعني .. وستضغط على جرحي

_____

تــمــت

20 comments:

ابراهيم رزق said...

الدنيا صندوق دور بعد دور
الدكة اهى و هى كل الديكور
يمشى اللى شاف و يسيب لغيره مكان
كان عربجى او كان امبراطور
عجبى ؟؟؟

انه رجل امه فى صحن الكعبة يطوف بها على اكتافه و هو فى الثلاثين ثم يساله ابن عمر رضى الله عنه

من هذه المراة يا عبد الله
فيقول له الرجل انها امى و انها الحجة التاسعة التى يطوف بامه فى الكعبة
و يسأل الرجل ابن عم يا عبد الله اترانى وفيتها حقها
قال ابن عمر و الذى بعث محمد باحق نبيا و رسولا انك ما قمت بشىء من حقها و لو بطلقة من طلاقتها يوم يوم الولادة

طبعا كما تدين تدان مهما قام المرء من واجب تجاه والدته فلن يوفيها حقها فهى خدمتك و حملتك دون ان ترى من المرء شيئا بل قامت بهذا بكل حب
بينما هى تقوم بفعل الواجل او المجتمع او بر الوالدين او خشية الله تقوم و هى مكرهة
لن اذكر الايات القرانية و الاحاديث عن بر الام و الوالدين و اسف ان كنت حولت القصة لموضوع دينى
و لكن حقيقى القصة جميلة و واقعية و شاهدتها عشرات المرات و اخرها صديق لى ماتت امه محترقة فى شقتها خوفا من كلام الناس
قصتك مست الواقع جدا جدا
تحياتى و سلامى لشريف

NAGWA said...

بسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسس كفاية يا شيخة حرقتي مهجتي بجد
أنا بخدم أمي انا في اخر التلاتين داخله على ال 40 ومفرغة حياتى لهيا وهى يادوب مكملتش 70 وحسستيني بالمشكلة أوى اوى بس والله انا وامى حاجه تانيه وهموت لو ماتت
وجعتيني مخاصماكى بجد
هه
نوج

Anonymous said...

دايما كدة تفتحي مواضيع اجتماعية واقعية وبتكتبيها كويس اوى
قريتلك القصة دى امبارح ومكنتش قادرة اكتب تعليق
ولما جيت اكتب التعليق لقيتك قافلة المدونة
اتبسطت دلوئتى انك فتحتى المدونة تانى علشان اعرف اكتب تعليقي ويارب متقفليش المدونة عليا وانا بكتب

ده واقع بتعيشه اغلب البيوت المصرية
وصفتى حالتي خالص وكانك عايشة معانا
انا بمووووووووووووووت في امي
وانا اللى خدتها عندى لما بدات تكبر وتتعب
مجالهاش زهايمر
لكن طبعا كانت عصبية جدا بحكم كبر السن
وكانت بتعند زى العيال ولادى واكتر
وكنت بتغاظ منها اوى
وكنت بزعقلها علشان تاكل وتخلص طبقها
وازعقلها علشان تنام
مواقف كتير كانت بتعملها وتوقعنى فى مشاكل مع جوزى وكنت بقول دى اكيد قاصدة انها تعمل كدة
انا كنت هتطلق بسببها
كانت بتغيظ فى جوزى
وطبعا كنت بضطر اجى على جوزي وانصفها هيا
اخواتى كلهم قالولى نوديها دار مسنين بتاعت حبيب اشهر دار مسنين
قلتلهم لا طبعا
بس بينى وبينك كانت بتيجي عليا اوقات بندم انى رفضت
كنت بحاول اعاملها بالحسنى لان عندى عيال وبخاف اوى لو عاملتها وحش او اتنرفزت عليها ولادى يعملو فيا كدة
بس انا قلت لولادى لما اكبر ودونى دار مسنين
اصل انا مجربة يعنى ايه خدمة كبار السن
ومش عايزة ولادى يحتاسو بيا
انا كنت بحب امى اوى
بس بصراحة مقدرش انكر انى ارتحت لما ماتت
علاقتي بجوزى اتحسنت اوى
و ولادى مبقتش بتعصب عليهم زى الاول
وجودها فى حياتنا كان مخلى جو البيت كله متوتر وعصبي
انا والله بعيط وانا بكتبلك الكلام ده
بس انتى جيتى على الجرح
ربنا يسامحنى بقا

بسمـــة مســـــلّم said...

بجدد قلبى وجعنى كما تدين تدان والديان لا يموت

بـت خـيـخـة وأي كـلام said...

نجوى ومحمد ممدوح

انشر تعليقاتكم ولا احتفظ بيها لنفسي ؟

Anonymous said...

ازيك يا نورا
قصتك مؤلمة وموضوع شائك
انا كنت بعاني من نفس الحكاية
بس بالعكس
ابويا هو اللى ربنا مد في عمره وعانينا معاه فى شيخوخته
انا الاخ الكبير وكان طبيعي ان انا اللى اخده عندى
بس طبعا كانت بتواجنى مشكلة فى موضوع النظافة الشخصية ده
يعنى رغم ان انا راجل زيه الا انى كنت بحرج منه
وطبعا مش معقول مراتى هى اللى هتقوم بالمهمة دى
فكنت اتفقت مع ممرض بيشتغل فى عيادة دكتور زميلي انه يجى كل يوم يحمي ابويا
هما بيكونوا متدربين على الموضوع ده
وبصراحة مراتى هى الى كانت بتخدمه من ناحية الاكل والشرب وكدة
لان انا بكون فى الشغل
واكيد طبعا مراتى اتخنقت معايا كتير بسبب تعبها وارهاقها معاه بالاضافة لشغل البيت والاطفال
كنت بقدر عصبيتها وبحاول افكرها دايما ان لو ده ابوها انا كنت هاستحمله
زى ماهى مستحملة ابويا
كانت بتقولى بس مكونتش هتخدمه زى ما انا بخدم ابوك
ومعاها حق
الرجالة بطبعهم مالهومش فى مسالة الرعاية
دى حاجة خاصة فى طبيعة الستات
فى الاخر اتفقت مع اخواتى اننا نوديه دار مسنين
وفعلا وديناه دار محترمة جدا
ودلوقتى بنروح نزوره كل اسبوع واللى فينا يقدر يزوره فى نص الاسبوع بيعمل كدة
هناك الناس مدربين على التعامل مع مرضى الزهايمر والشيخوخة
هناك عارفين ازاى يهتموا بيهم على اسس علمية وعندهم صبر
احنا بنتعامل مع اهالينا بشكل عشوائي فعلشان كدة بنتعصب عليهم لاننا مش فاهمين يعنى ايه شيخوخة ولا زهايمر والشيحخوخة ليها تاثير على الهرمونات وبتخلى المريض عصبي اكتر وكل ما الواحد سنه كبر بيكون عصبيته زايدة
فى دار المسنين فاهمين ده وبيتعاملوا على الاساس ده
و على فكرة مش كل اللي بيودوا اهاليهم دار مسنين بيكونوا ابناء جاحدين
عايز اعرف رايك انتى بقا فى الموضوع ده

بـت خـيـخـة وأي كـلام said...

الغير معرف

عايز تعرف رأيي في إيه بالظبط ؟

Anonymous said...

رأيك يعني اذا كنتي شايفة ان انا غلطان انى وديت ابويا دار مسنين
ولا شايفة ان معايا حق

بـت خـيـخـة وأي كـلام said...

الغير معرف

والله يا فندم غلطان او مش غلطان
دى حاجة ترجع لقناعات حضرتك
وانا ماليش انى احكم على تصرفاتك اذا كانت صح او غلط
كل واحد ادرى بظروفه

بـت خـيـخـة وأي كـلام said...

عابدة الرحمن

وش واحدة مبتسمة ومتأثرة اوي

الله يسامحك خليتى عنيا تدمع وكنت هعيط ... بس معيطتش برضه
نيهاهاهاهاهاهاهاهاع

الكلام ده كبير اوى و رافع من روحى المعنوية جامد

لا شكر على واجب يا كميلة

Anonymous said...

مفتقداه ؟

بـت خـيـخـة وأي كـلام said...

المجهول

هو مين ؟
!!!!!!!!!!!!!!!!!!

الطائر الحزين said...

يراعونا ويتمنوا لنا البقاء ونرعاهم على مضض ونتمنى الفراق

الطائر الحزين said...

لكن مع هذا لا نشعر بقيمتهم الا بعد فراقهم ولو كانوا عظاما نخرة

ع.سالم said...

بسيطة ومؤثرة جدًا :)

عجبتني.

bombona said...

اذيك يا نورا هانم
زعلانه منك عشان حبيت ادخل على مدونتك من مدونتى التانيه لقيتك قفلاها الا على الاعضاء وفى نفس الوقت مش عارفه اشترك فيها ازاى
وبالنسبه للبوست رائع طبعا عشان يفكرنا كل ماننسى اننا مسيرنا هانكبر واللى عايزين ولادنا يعملونا بيه لازم نعامل بيه اهلنا
:)

بـت خـيـخـة وأي كـلام said...

شكرا ليكم كلكم على تواصلكم معايا

حمده الشامسية said...

فعلا رائعة و مؤثرة جدا، شكرا لك

أحمد عزازى محمد said...

تقبلى تحياتى ....هذا الموضوع يعد صفعة قوية على وجه كل عاق لوالديه ، لأنه يضع هذا العاق أما مرءاة وحقيقة لا مفر منها ...كما تدين تدان وكما تكيل يكال لك

واحدة كدة said...

للقصة ابعاد كتير مختلفة .. انا فى القصه دى لعبت دور الحفيدة الكبرى .. تحملت جزء _و لو إنه بسيط _ من المسؤليه.. شاهد على كل تفاصيلها .. و أحيانا كان ليا دور ..أثرت فى و تأثرت بالموقف كله .. دروس لن أنساها

اه يا جدتى لو تعلمين .. أنه هنا لا أعياد بعدك !

users online