
قصة قصيرة
______
حين ماتت والدتي
بكيت و انتحبت ونكست رأسي
و وقفت محنية الجسد فى مقدمة صفوف العزاء
ورسمت الحزن على ملامحي
واستخدمت كل ايحاءات لغة الجسد وكل تعابير الوجه
التى تتناسب ورهبة الموت وحزن الفراق
وتغيرت نبرة صوتي .. فقد كنت اضيف عليها طابع الحزن
ولكن بداخلى كنت احمد الله على فراقها
ويكاد قلبي يرقص فرحا برحيلها
فوالدتى كانت تعدت الثمانيين
وفى اخر سنوات عمرها اصابها الزهايمر
وكنت انا الوحيدة من ضمن اخواتي
التى كانت تتناسب ظروفها لتستضيف والدتها
فأنا انثي
وهذا سيفيد عند تنظيف امي جسديا
فاخواتى الذكور سيصابون بالإحراج عند تحميمها
ولا يصح بالطبع أن تحممها احدى زوجات اخواتي
واختى لا تعيش في نفس البلد
فتطوعت انا باستضافة امى
واخواتى لم يمانعوا
بل رحبوا كثيرا
وهكذا بدأت سنوات من رعاية امى المريضة بالزهايمر
و ما ادراكم ما الزهايمر
تنسى امى انها تناولت طعام الفطور
فاضطر ان اعيد تحضير الطعام اكثر من مرة
وتنسى امى اسمى وتعتقد انى الخادمة
فيحز فى نفسي كثيرا
فأتعصب دفاعا عن كرامتى
واقول لها اننى لست بخادمة ... انا ابنتها
فتشوح بيدها فى وجهى وتقول لى بلا مبالاة
"يا شيخة روحى كدة"
وتنسى انها امى وتعتقد انها ابنتي
وتنسى انها احتست الشاى
وتنسى
وتنسى
وتنسى
وتنسى
وهكذا الكثير من النسيان
بالاضافة الى التبول اللاإرادى الذي يصيب كبار السن
ورغم استخدامى للحفاضات الخاصة
إلا ان رائحة النشادر ملأت منزلى
فى بادئ الامر كنت اعتقد انها " بتستهبل "
وحين عرفت انه الزهايمر لا محالة
حاولت ان اتكيف مع الأمر
ولكن كنت اذا تحملتها يومين كنت لا اتحملها اليوم الثالث
فتنفجر اعصابي فيها
واعاملها وكأنها واعية
فيعلو صوتى عليها
واعاتبها
واحلف لها انها تناولت الفطور
واننى لست الخادمة
واننى ابنتها ولست امها
و
و
و
و
و
كان الأمر يقف عند صوتى العالي معها
ولكني لم اتمالك نفسي يوما
و وجدتنى وقد صفعتها على وجهها
نعم .. صفعت امى على وجهها
استفزتنى كثيرا بنسيانها للأمور وعنادها
ورفضها للنظافة الشخصية
وعدم رغبتها فى الاستحمام
فصفعتها
نعم صفعتها
ولم اشعر بأي ندم
فكانت تتصرف بغباء
وتتصرف كالأطفال
لم استطع التحمل اكثر من ذلك
فصفعتها
يوما اخر
كنت اغير على جرح ما فى احدى قدميها
فاستفزتنى بشكل ما
فضغطت بكل غيظ على جرحها بكلتا يداي
فتألمت وقالت لى
"ليه كدة يا بنتي .. ليه تضغطى علي الجرح كدة .. انتي كدة بتوجعيني "
صرخت فى وجهها ان تصمت
كنت فقط اريدها ان تصمت
ان تتوقف عن استفزازها لي
كنت اشتكى لإخوتى الذكور من تصرفاتها
كانوا يعرضون ان ياخذونها
وكنت اوافق كى استمتع ببعض الراحة
ولكن ما يلبث ان يمر اسبوع
ثم يحضرونها اليّ
عرض عليّ ابن شقيقتي الكبرى
ان نذهب بها الى احدى دور المسنين
ولكنى رفضت بشدة
لم ارفض حبا فى امى
ولكن رفضت خوفا من المجتمع ونظرات الناس
رغم موافقة اخواتى الذكور على اقتراح ابن شقيقتى
ولكن انا رفضت
كنت اشعر بمسؤلية ما تجاه والدتى
واننى يجب ان اتحملها رغم تعبي معها
تحملت امى
ورعيتها بقدر استطاعتى
وماتت
وبكيت انا امام الاخرين
وقلبي بداخلي يرقص فرحا
مرت ثلاثون عاما على وفاة والدتي
و انا الان على مشارف الثمانيين
وابنتى الكبرى
هي الوحيدة من ضمن ابنائي
التى تتناسب ظروفها لتستضيفني
اذا ما اصابنى الخرف والزهايمر
اعرف ان ابنتى ستتحملنى وسترعانى
ليس حبا في
وليس خوفا من نظرات المجتمع
فإبنتى تلك لا يهمها نظرات المجتمع
ولكننى ربيتها على تحمل المسؤلية
مهما كانت المسؤلية كريهة
وانا اعلم
ان مسؤلية رعايتى في شيخوختي ستلقى على عاتقها
وستكون مسؤلية كريهة على قلبها
لذا انا متيقنة من ان ابنتي لن توافق
على ذهابي الى احدى دور المسنين
اذا ما اقترح عليها احد اخوتها ذلك
ولكني متيقنة أيضا
من انها ستصفعني .. وستضغط على جرحي
_____
تــمــت