Saturday, February 16, 2019

ســيــدة الــبــنــايــة رقــم 62



إختفى الناس فجأة كما ظهروا فجأة
وكأن هناك هوة عميقة  _ خلف تل القمامة الصغير  _ تبتلعهم 
وأصبح الشارع خالي من البشر .. عداي

أسير على مهل 
أحمل حقيبة بلاستيكية شفافة  بها حبات  
من البطاطس والموز والخيار
يعبث الهواء بشعري
ويدفع جسدي إلى الوراء
أحاول جاهدة التقدم إلى الأمام بخطوات متأنية
خوفًا من العرقلة في الطريق الطيني

أتوقف عن المسير دقائق
أحكم خلالها غلق معطفي 
وأبعد  عن عيني خصلات من شعري حجبت رؤيتي
أستبدل حمل الحقيبة
فــ أناولها لــ  يسراي
وبــ يمناي أتناول منديل ورقي من جيب معطفي
أمسح به مخاط  شفاف سال من أنفي إثر مضاجعة الهواء البارد له
أمد بصري لأرى إن كان هناك كلاب  تختبيء وراء أشجار الفيكس
ما أن أطمئن بأن لا كلاب هناك .. حتى أواصل المسير

كنت على بعد أمتار عديدة من  بنايتي
حتى سمعت صوت  منفعل يأتي من البناية رقم
 62

 كان الصوت  لــ سيدة 
 صوتها كان عالي يهتك هدوء وظلام الشارع
لم تكن درجة علو الصوت هي المشكلة
ولكن الجملة التي قالتها السيدة  كانت مثيرة حقا

كانت تقول لأحد ما
 ماتنزل انت يا عرررصصصص .. مبتنزلش لييييييه ؟
   ولا إنت خول معايا أنا بسسسسسسسسسس ؟ 

استجبت  لفضولي الإنساني 
فتوقفت عن المسير ورفعت رأسي عاليا جهة اليسار
لأرى أي شقة يصدر منها هذا الصوت
كانت  شرفات البناية  مظلمة بالكامل
فخمنت أن الصوت يصدر من شقة خلفية
 لا تقع شرفتها على الشارع

تهيأت لإستكمال مسيرتي 
حتى وجدتها أمامي في الطريق
إمرأة  ثلاثينية ممتلئة الجسم تخرج من البناية
ترتدي عباءة رمادية
تحاوط كتفيها بــ شال أسود 
تنتهي أطرافه بــ كُرات سوداء  من الفرو الصناعي
وترتدي طرحة بها ورود صغيرة

تفاجاءت بوجودي أمام البناية 
فــ نظرت لي كمن ينظر إلى عدو لدود
كانت نظراتها تحمل الكثير من الغضب
إرتبكت من نظراتها
فــ بادرتني بسؤالها
وهي ترسم على وجهها إبتسامة عصبية
صوتي كان عالي أوي ؟
ابتسمت وقلت لها : يعني
قالت وهي تسير بجواري
رجالة ولاد كلب عايزين الحرق
ابتسمت مجاملة ولم أنطق بكلمة

سرنا  عدة خطوات متجاورتين صامتتين
حتى نظرت إلي حمولتي وسألتني
انتي جايبة الحاجات دي منين؟ .. ده السوق انفض الصبح
!!
فقلت لها : من السوبر ماركت  الكبير اللي جنب الموقف
فنظرت لي نظرة شاملة
تتفحص فيها هيئتي
من رأسي حتى أخمص قدماي
ثم هزت رأسها وقالت
ممممم أه شكلك فعلا  مينفعش معاه سوق
بس تلاقي الحاجات غالية في السوبر ماركت

مطيت شفتاي ورفعت كتفي وقلت لها : معرفش
فسألتني : متعرفيش ايه ؟
قلت لها : معرفش إن كانت  الأسعار في السوبر ماركت 
أغلى من السوق ولا لأ
فسألتني : إنتي جايبة إيه ؟
تعجبت من سؤالها  " الحشري "  ولكن رغم ذلك 
وجدتني أجاوب  عليها بسلاسة أدهشتني أنا نفسي
وقلت لها : جايبة موز وبطاطس وخيار 
سألتني : كام كيلو من كل حاجة ؟
قلت لها : مبشتريش بالكيلو .. بشتري بالوحدة
نظرت لي بعدم فهم وسألتني : يعني إيه ؟
قلت لها : يعني بشتري على أد احتياجي بس
يعني انا جيبت موزتين وتلات خيارات وبطاطساية  
  فنظرت لي بإندهاشة وشهقت
وقالت لي :  بطاطساية !!! ..  دي انتي ألافرنكا خالص 
ده انا بشتري البطاطس دي بالشوال 

فابتسمت
فــ سألتني : هو انتي عايشة لوحدك ؟
جاوبتها : أه
قالت : بتدرسي إيه ؟ .. شكلك في الجامعة
قلت لها : لأ أنا متخرجة من زمان أوي .. أنا بشتغل مدرسة أطفال
فاندهشت وقالت لي : تلاقيكي لسة متجوزتيش
 علشان كدة لسة شكلك صغير ومش باين عليكي الهم

ابتسمت  بــ حزن وسكت لحظات قبل أن أكذب وأقول لها
أه .. متجوزتش فعلا

فربتت على كتفي وقالت لي
معلهش .. ربنا بكرة يعدلهالك
ثم صمتت برهة قبل أن تستكمل ب نبرة عصبية
 ولو حتى متجوزتيش خالص ..  إنتي في نعمة
تعالي شوفي الأشكال اللي بنتجوزها
ده أنا عندي خول في البيت
منزلني  بليل في عز البرد علشان أشتريله سجاير

فضحكت .. ضحكت كثيرا
ضحكت حتى لم أعد استطع السير خطوة أخرى
توقفت عن المسير
فتوقفت بجانبي وأخذت تضحك هي الأخرى
حتى سمعنا صوت
هوهوهوهوهوهوهوهوهو
فتوقفت عن الضحك  
وسألتها برجاء إن كان من الممكن 
أن تسير معي حتى بنايتي لأني أخاف من الكلاب
  فجاوبتني ضاحكة وهي تسخر مني 
يا سكر !! .. بتخافي من الكلاب يا قطة ؟
!!
فابتسمت من طريقتها الساخرة وأومأت رأسي بالإيجاب
 فقالت لي بــ حنان أم : طب تعالي .. تعالي .. انتي ساكنة فين؟
فــ أشرت لها على بنايتي وقلت لها 
 هناك .. بعد سامح بتاع السجاير
فقالت لى :  خلاص أوصلك
 وأرجع اشتري السجاير لإبن الوسخة  اللي في البيت

فــ إبتسمت لها .. وابتسمت لي
واستكملنا مسيرتنا   

___________

إنـــــتـــــهـــــى



Sunday, February 03, 2019

لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ



الزهور للضعفاء
واللون الأحمر _ الكيّاد _ للمساكين
وزرقة البحر لأولاد السبيل

أما أنا .. فــ لي مسحوق الأسمنت
وحبيبات الرمل
وذرات التراب الأسود

وليس لي من إنسيابية الدائرة شيئا

***

الخبز للأنبياء
والخمر للتائهين
والسُـلطة للأنجاس والشراميط

أما أنا ... فــ لي الخطايا  
ودم مسفوك
ونصب تذكاري يتوسط الميدان

وليس لي من دلال حرف اللام شيئا

***

الجنة للصادقين
والمحبة من نصيب الصالحين
والبشاشة في وجوه الطيبين

أما أنا .. فــ لي الفراق
وخيبات متكررة
وأرائك مكفونة

وليس لي من صبر المؤمنين شيئا

***

الأطفال لأبائهم
والرجال لأمهاتهم
والخلق لخالقهم

أما أنا .. فــ لي البيت الخالي
والفراش البارد
وستر الله

وليس لي من صخب الحياة شيئا

***

الليل للمحبين
والقهوة للساهرين
والأعراف للمتساوية أعمالهم

أما أنا .. فــ لي نباح كلاب مسعورة
وبطن مبقورة
ورسائل مسجورة

وليس لي من التوبة شيئا
_______


أخر الكلام

يُهزم المرء بأشيائه التي يحبها

_________

إنـــــتـــــهـــــى


Saturday, December 29, 2018

إلـى رجــل جـــارح



" جسدك زجاج "
 هكذا صرخت بك كالملسوعة  وأنا أدفعك عني

كان جسدك جارح _ شديد الــ  جروحة_ يدمي الروح
بارد .. لا حياة فيه

دفعتك عني بغضب
فــ قمت عني بــ هدوء وبــ ترو لا يليقان بغضبي 
ولكن .. يليقان بك

تكورت على نفسي 
 أستر عُـري جسدي .. و جوع روحي  
وبكيت 

وانت .. أشعلت سيجارة
واخذت منها نفس عميق  احتفظت به في صدرك
والتفت لي بعد لحظات مرت كــ سنين ضوئية
وقلت لي : مالِك بس يا بابا ؟

**

كم جنينا أجهضت ؟
لم أعد أحسبهم
أضعف الإيمان أنني معك  أجهضت كل عاما جنين
إن لم يكونا جنينان

قتل ؟
!!
ما هذا العبث ؟
 من قال انه قتل ؟
انا لا أقتل أطفالي
بل أحميهم من الحياة .. ومنك

فــ لن يكون لأطفالي  أب مصنوع  من الزجاج

**

" أنت لا تقبلني "
هكذا نطقت من بين دموعي

نظرت لي بغباء
وقلت لي بإستخفاف 
" إنتي بتاكلي وتنكري ؟ .. أنا مش بوستك في بؤك " 

نظرت لك بإشمئزاز 
وأفرغت ما في جوفي

**

تقول المطربة 
فيه حاجات تتحس .. ومتتقلش
و إن جيت أطلبها .. أنا مقدرش
ولو انت عملتها بعد ما انا طلبتها .. يبقى مينفعش

**

كيف أشرح المشروح سلفا ؟
!!
كيف أشرح الشيء الواضح كـ شمس يوليو؟

يا رجل جارح .. ألا ترى أنه من المهانة 
أن أطلب منك أن تحبني أثناء فعل الحب ؟
أن أطلب منك أن تضم وتحنو وأنا في أحضانك ؟

  يا رجل متحفظ  .. إفتح هويس مشاعرك 
و إروي  روحي المتشققة العطشى 
 كــ أرض لم تطالها الماء منذ سنين

يا رجل  جارح .. غبي
إعوي كــ كلب مسعور 
يتغول على جسدي .. ينهشني
شره .. لا يشبع مني
  
كن شغوفا بي يا رجل 
 ولا تكتفي مني أبدا

قبلني 
قبل بطني
قبلني أعلى النهد
قبل ظهري وقبة كتفي
قبل قبوي
لثمني  .. لثم كل جسدي بشفاهك الساخنة

إلمسني يا رجل  
إلمس كل خلاياي
دع أناملك تتعرف على إنحناءت جسدي 
 و على ندباتي
و على خيبات العمر

دع كف يدك يعرف مقياس نهدي
واعتصرني .. حتى يسيل  حليب أطفالي بين أناملك
واطمع في طعامهم ... والتقمه انت

اغرس اصابعك في جسدي
اطبع بصماتك فوق لحمي


يا رجل جارح .. غبي .. أعمى
لا تضاجعني 
بل إفعل فيّ حبا

**

ثم قال لي 
" أنا مش فاهم إنتي متضايقة ليه يا بابا ؟ "

فــ قـتـلـتـه

_____________________________


إنـــــــتـــــــهــــــى


Friday, December 07, 2018

تـقـاريـر الـسـيـدة مـيـم .. الــ مـلـتـويـة





يلتوي قدمي  ويتورم 
يأمر الطبيب بوضعها في رباط ضاغط
يوصيني بالراحة  وعدم السير إلا في حالات الضرورة القصوى
ينظر لي بتشكك  من وراء عويناته الطبية 
ويقول مؤكدا : متمشيش عليها .. متدوسيش عليها خالص 
احجلي على رجلك السليمة وانتي داخلة الحمام
أنظر إليه بــ عته .. ولا أنطق بكلمة
ولا حتى أتكرم وأهز له رأسي بالموافقة

اخرج من عنده  وافعل ما انتويت أن أفعله قبل ان تلتوي قدمي 

أسير في شوارع طينية  بــ قدم ملتوية 
و بــ رأس فارغ من العقل  تم استبداله بــ جزمة قديمة

***

أرفع يدي أمام عيني لأتفقد ظفر إبهامي الأيمن
لونه أصبح بنفسجيا 
وبه شيئا من الألم حين اتفقده بــ أسناني
!!!

***
يعبر الشارع من الجهة الاخرى  رغم خلو الشارع من المارة
لا يوجد مبرر ليترك الرصيف  الذي يسير عليه
 ليسير على الرصيف الذي اسير عليه 
اتجاهله واستكمل مسيرتي
يمشي في الاتجاه المعاكس امامي
يقترب مني
يقترب اكثر
يصبح في مواجهتي
اتنحى جانبا وافسح له الطريق
فــ يمد يده ويلمس جسدي
ويقول شيئا قذرا 
ويبتعد ببطء عني وهو يضحك كــ الفائز بــ غنيمة
اتوقف_ من الصدمة _  عن السير للحظات
استوعب انه تحرش بي
التفت الى الوراء
اجده مازال في مرمى البصر ولم يبتعد كثيرا
انحني والتقط حجرا كبيرا
و بقدمي الملتوية أسرع من خطاي  ورائه
حذائي الرياضي لا يصدر صوتا
 اصرخ وأنا اقترب منه  : انت يا ابن الوسخة
يجفل ..  يلتفت لي
القيه بالحجر 
يحاول ان يتفاداه  فــ تزل قدمه فيقع على ظهره
استغل سقوطه واهجم عليه و امسك رأسه بكلتا يداي
واخبطها في حافة الرصيف
يحاول ان يبعدني عنه
اتشبث برأسه اكثر و اخبطها مرة ثانية وثالثة 
حتى يصرخ  صرخة اعرف منها ان رأسه قد شج
اقوم عنه و استكمل مسيرتي بقدمي الملتوية

***

أبدا بقراءة كتاب جديد
أبكي حين الإنتهاء منه 
 أقول لنفسي : سأحكي لأدهم عنه
لعله يبكي كما بكيت
أتردد  وأتسائل :  لما أريد أن يبكي أدهم ؟
!!
لا .. لن أحكي له عن الكتاب

أعرف أنه  وحده سيقرأ الكتاب يوما ما   
سيبكي أيضا .. وسيحكي لي إنه بكى 

***

اخلع عني ملابسي
اتفقد الندبة الجديدة تحت الثدي الأيسر
لم تلتئم بعد
اضغط عليها بطرف اصبعي فأشعر بلسعة وكأنها حرق

***

انتهي من تمرين الرماية
اصيب جميع الاهداف
ينظر لي مدربي  بفخر .. ويقول لي مازحا 
" دلوقتي تقدري تقتلي كل ولاد الوسخة اللي مضايقينك في حياتك "

تلتمع عيني بألق خبيث وأبتسم منتشية 

***

اطلب من أمي ان تخبز لي كعكة من صنع يديها
أحب الكعكة التي تصنعها امي
تفرح امي بطلبي
تفرح امي حين احتاج اليها في أي شيء 
حتى ولو كان شيئا بسيطا  كصنع كعكة
تهاتفني وتخبرني بفرح انها ستعد لي مقدرين 
لا افهم ما تقصده
اسالها  : يعني ايه اللي حضرتك  بتقوليه ده ؟
!!
فتضحك وتقول لي : يعني هاعملك كيكتين .. مش كيكة واحدة
فأقول لها : طب مش هاوصيكي .. الأطراف تبقى محمرشة ومتحروقة 
ثم استدرك واقول : بصي يا ماما .. من الأخر كدة انا عايزاها كيكة محمرة 
تضحك وتقول : من عنيا 

***

أتفقد بريدي الإلكتروني
أجد رسالة قصيرة  من أدهم ردًا على رسالتي إليه
أبـتـسـم .. وأمـتـن له
وأتسائل : متى سأحكي لأدهم عن طامتي الكبرى ؟

ثم أتذكر مقولة أُمنا رضوى
" يحكي الواحد منا عن أمر موجع .. ليحجب  الأمر الأكثر إيلاما "

***

أشعر بالجوع
أتفقد ثلاجتي
أجد بها جبن ابيض ورقائق من مخبوزات الشعير المخلوط بالكمون
أتسائل بحسرة : هو أنا ليه معنديش حاجة عِدلة تتاكل ؟

انظر الى ساعتي اجدها وقد تجاوزت الرابعة فجرا
اقول لنفسي : اكيد السوبر ماركت قفل

ثم استقر على انني سأعد لنفسي فنجانا من الشاي المزود بالحليب 

***

اتفقد مكتبتي
اختار كتابا جديدا
اضعه في حقيبتي
استعدادا لقرائته اثناء سيري .. بقدم ملتوية 

____________

إنـــتـــهـــى

 

Monday, November 19, 2018

رفــيــق الــغــرفــة الـــســريــة





 ما أن يتجاوز البوابة الحديدية العملاقة المسيجة بــ الكونسرتينا
 حتى أحتضنه
 بأناملي أتحسس جسده
أعد أضلاعه ونبضات قلبه وأنفاسه
أطمئن أن كل شيء فيه كامل .. رغم الهزال
أسأله : كيف كان المعتقل؟
يرد بهمس : خلينا نمشي من هنا

***

 لغرفتنا السرية الآمنة  نذهب 
 على الفراش يرتمي
 بجانبه  أجلس برفق
مطأطيء الرأس كان
رفعت رأسه ناحيتي
فأشاح بوجه عني
في صمت كان يبكي
نحوي جذبته
عصى
 ثم تردد
 ثم رضخ
ألقى  برأسه على كتفي
احتضنته
لم يبكِ كثيرا
بدأ بالحكي فورا
وكأنه يلقي بحجر جاثم على صدره

***

كان يحدثني بشيء من الخوف
وكنت أسمعه بشيء من الغضب
ثم يصمت بعدها لنتبادل المشاعر
له غضبي  .. ولي خوفه

***

لا يهم كثيرا ما حكاه
فــ حكايات المعتقلين أمست مبتذلة 
 مثيرة للشفقات
مكررة .. رغم إختلافها

فــ دائما  " الإنتهاك " هو النقطة المحورية في حكاياتهم 
و التي تتفرع منها كل الحكايات الجانبية

***

  بعدما انتهى من الحكي
لم نمارس جنسا .. فنحن لا نمارس الجنس سويا
 فعلاقتنا أكبر من الجنس .. وإن لم تكن أنقى
    
ولكن فعلنا ماهو أجمل وأقسى وأمتع

قرأنا معا 

 كعادتنا دائما حين ننفرد ببعضنا البعض

***

قالوا لي بأن تم إعتقاله مرة أخرى 
 قلت لهم بقلب مذبوح وبوجه جامد
وبــ يقين مؤمنة تثق في الرب كثيرا
" مش مهم .. هيخرج "

***

بعد شهور طويلة أبلغوني انه خرج
فرحت كــ طفلة أهدوها جوارب ملونة
 والكثير من ألواح الشوكولاتة
قلت لهم بصخب يليق بفرحتي : هقابلكم عند البوابة

 قالوا لي : بل وافينا إلى المقابر  
سألتهم بــ جزع : مات ؟
!!!
لم أسمع ردا 
بل سمعت صوت بكائهم

***


كنت ألتفت حولي في رعب
أحاول أن أرى هل هناك من يراقبني أم لا
ما أن إطمئننت أن المسؤلين عن المكتبة غافلين عني
حتى مددت يدي إلى الكتاب الذي وقع عليه إختياري
 ودسسته بين ملابسي
وخرجت من المكتبة مبتعدة بفعلتي

***
كاد قلبي يتوقف ما أن وضع يده على كتفي
ويقول لي : رايحة فين يا حرامية ؟

إلتفت برأسي له
فــ رأيت إبتسامته العريضة
تلعثمت .. لم أستطع أن أنطق بكلمة
رأى هو ما فعله بي
 فقال  مطمئنا  : متخافيش .. يلا نمشي من هنا

خرجنا من أرض المعرض مسرعين الخطى 
وما أن تجاوزنا بوابته
حتى انفجرنا في الضحك

كنت قد أصبحت معه وبرفقته 
رغم عدم معرفتي السابقة له
لا أعرف حتى  إسمه

وكأنه يقرأ أفكاري
فــ مد يده بالسلام وقال :  ماهر
فقلت بدوري وانا أسلم له يدي  : نون
فقال لي وهو يحتضن كفي في كفه : تشرفنا يا نون
لم يفلت يدي من يده .. بل ابقى عليها
ثم باغتني بسؤاله 
  بقالك كتير بتسرقي كتب من معرض الكتاب ؟
اعترفت له : دي أول مرة
فقال لي : ده انتي مبتدئة يعني ؟
نظرت له بعدم استيعاب
فقال : أنا حرامي كتب قديم   
   نظرت له بإندهاش
فقال لي : أيوة .. انا كمان بسرق كتب 
ابتسمت
فاستدرك قائلا بنبرة تبرير : الكتب بقت غالية أوي
هاجيب منين فلوس لولاد الشرموطة دول ؟
!!!

***

كم لقاءا جمعنا  بعد ذلك ؟
عشرات .. مئات .. آلاف اللقاءات
لا يهم
المهم اننا تعاهدنا على القراءة معا
نقرأ في كل مكان

حتى قامت ثورتنا 
فــ أصبح يبيت في المعتقل أكثر من بياته في منزله 
 فإستأجرنا تلك الغرفة الصغيرة السرية
لتكون مقر دائم لنا  للقراءة  .. ولتبادل حكايات المعتقل 

كنا دوما نلتقي هناك دونما موعد

 كنت  _ حين أحزن  _ أذهب لأنتظره هناك

وكأنه يشعر بحزني 
فــ كان دائما  يأتي .. ومعه كتاب جديد


***

في لقائنا الأول في منزله 
 لم يهديني ورد
رغم عشقه للزهور
 أعتقد أنه خاف على مؤخرته من أن أزرع فيها وروده
بسبب تصريحي الدائم
" أنا لو حد جابلي ورد هاحطهوله في طيزه .. قال ورد قال " 

فــ حافظ على مؤخرته  
بأن ألتقط كتابا من مكتبته الخاصة وأهداني إياه 
 وقدم لي شطيرة من الجبن الأبيض المطعم بأوراق الجرجير

***

لم أوافيهم إلى المدافن كما طلبوا مني
بل ذهبت إلى غرفتنا السرية
كنت حزينة .. فــ إنتظرته هناك 

ســ يأتي حتمًا
دومًا كان يأتي

______

إنـــتـــهـــى


users online