الرسالة الحادية عشر
_____________
عزيزي السيد إ
في الصباح
وحين كنت اقوم بإعداد مشروبي المفضل
سمعت طرقا خفيفا
على باب شقتي في شارع التتويج
توجهت لأفتح الباب
فوجدت الست ليلى وبصحبتها وردة
.
لم تسعني الدنيا من فرحتي
بـظهور وردة مرة أخرى في مخيلتي
احتضنتها بـ شدة
كنت أريد أن امسكها بـ يدي وأسناني
ولما لا ؟!! .. أليست بنت أفكاري ؟
وأنا التي صنعتها من وحي خيالي ؟
طبيعي أن أحاول التشبث بها
حتى لا تهرب من خيالي مرة أخرى
**
بدأت الست ليلى الكلام قائلة
لقيتها ماشية في شارع فرنسا بتتفرج على محلات القماش
فخطفتها وجيبتهالك علطول
اتاريها عزلت هي وسي ماجد
وخدوا سُكنة في وكالة اللمون
.
لم اعاتب وردة على اختفائها المفاجيء هي وماجد
فـ أنا ادرك تماما معنى أن يفقد الكاتب شغفه
بـ حكاية ابتدأها ولم يستطع انهائها
بسبب أوجاع كثيرة تحيط بها .. أي بالحكاية
أو بأوجاع تحيط بـ شخوص الحكاية
فـ يقوم _ مضطرا _ بعمل محو مفاجيء
لــ شخصيات الحكاية التي ابتدعها من وحي خياله
.
وادرك ايضا مدى احتياج الكاتب
لـ أوجاع الشخصية
كي يستعيد شغفه من جديد
لذا .. فرحت بظهور وردة مرة أخرى هذا الصباح
يا له من صباح نادي
:)
**
أبدت الست ليلى رغبتها لـ الذهاب إلى
عم عزوز الترزي
لـ يقوم بتفصيل ثوب لها
يناسب حضور مناسبة خاصة تخص عائلة زوجها
وسألتني أنا ووردة إن كنا نرغب بالذهاب معها
وقالت لـ تغرينا
" ده مش بعيد .. ده قريب من هنا .. في ميدان عرابي "
.
بالطبع وافقنا .. وردة وأنا
.
وفي أثناء ارتدائي لملابس الخروج
استعدادا للذهاب مع الست ليلى
سمعت طرقا على الباب
فـ هتفت من الغرفة الداخلية
حد فيكم يفتح يا بنات يشوف مين
.
سمعت وردة تقول بلهجتها الريفية الآسرة
" حاضر.. هافتح أنا "
.
سمعت أصوات همهمة لم اتبينها
ثم سمعت وردة تقول
طب اتفضلوا جوة .. هي بتلبس وجاية علطول
**
خرجت إلى صالة المنزل
بكامل هيئتي
فوجدت مها ويارا / جاراتي في الشقة المجاورة
في انتظاري مع الست ليلى ووردة
يحتسون ربعاتهم الشاي الذي اعدته وردة بنفسها
ويتسامرون ويضحكون على حكايات الست ليلى
رحبت بـ مها ويارا
وبدأت الست ليلى الكلام قائلة
" والله جاراتك دول زي العسل "
فقالت يارا : الله يكرمك يا ست ليلى
ثم قالت مها موجهة حديثها إليّ
كنت نازلة أنا ويارا رايحين ندفع قسط الجمعية
لواحدة صاحبتنا في شارع الموازيني
فقلنا نشوفك إن كنت تحبي تيجي معانا تمشي رجلك شوية
.
سبقتني الست ليلى في الرد قائلة
والله انتوا بنات حلال
إحنا كنا رايحين ميدان عرابي عند الترزي
اديله حتة القماش دي
يفصلهالي فستان احضر بيه فرح ابن اخت جوزي
.
قالت جملتها واخرجت من حقيبة بلاستيكة بجوارها
قطعة قماش تستعرضها أمامنا
.
انبهرت وردة بـ نقشة القماش
وامسكت مها القماش وحسست عليه
واطلقت صيحة صغيرة قبل أن تقول بـ نبرة اعجاب شديدة
ماشاء الله يا ست ليلى .. ده ميكادو .. قماشة غالية ومفتخرة
.
ابتسمت الست ليلى لكلام مها
ابتسامة بها فخر واعتزاز بـ ذوقها في اختيار نوع القماش
وان كانت حاولت أن تصطنع ابتسامة تواضع
:)
.
سألتنا يارا : انتوا بتقولوا رايحين ميدان عرابي عند الترزي
هو الترزي اسمه إيه ؟ .. اوعوا تكونوا رايحين لـ عزوز الحرامي
.
اندهشت وردة
وقالت الست ليلى : أيوة فعلا رايحين لـ عزوز
هو مغلواني صحيح .. بس صنعته حلوة
قالت يارا : طب إيه رأيك أوديكي عند الست حورية الخياطة ؟
عارفاها ؟
قالت الست ليلى : عارفاها .. هي طيبة وعلى أد الإيد
بس بحسها مش شاطرة في السواريه
دي يا دوب تفصل جلاليب بيت وتصلح الحاجات البايظة
اروح لعزوز أضمن
**
اتفقنا أن نذهب أولا
الى شارع الموازيني لصديقة مها ويارا
ليسلموها قسط الجمعية
وبعدها نتجه إلى ميدان عرابي
للذهاب لـ عم عزوز الحرامي
احم .. اقصد عم عزوز الترزي
-_-
**
استقبلنا عم عزوز في بيته
الذي يخصص صالته الكبيرة للعمل
.
وجهنا للجلوس حول طاولة مستديرة
عليها أدوات خياطة مختلفة
من مقصات وشرائط قياس
وبكر خيوط ألوان متعددة
وطبشور خياط لونه اصفر يشبه قطعة صابون
مخصص لصنع علامات على القماش
ومسطرة قياس
وإبر يدوية .. ودبابيس مغروزة في قطعة اسفنج
وقمطة .. والقمطة هي مقص صغير وسريع لقص الخيوط الزائدة
وشقّاق .. أو ما يسمى بـ فكاك الغرز
.
جلسنا خماستنا حول الطاولة المستديرة
وكأننا في إجتماع لـ لم شمل العالم
وكان عم عزوز قد إستأذننا
لأنه يقوم بعمل بروفة لـ إحدى زبائنه
في غرفة داخلية
**
عزيزي إ
هل يمكن اعتبار أن تجمع نسائي بدون ترتيب مسبق
قد يكون بمثابة جلسة علاج جماعية ؟
!!
.
فـ أثناء صمتنا وانتظارنا لـ عم عزوز
أن يخرج من غرفة البروفة
فجأة قالت يارا
أنا نفسي في راجل
ماضطرش معاه إني أفتش في رسايله
عن دليل لخياناته
ومايخلنيش أنام وأنا حاطة في دماغي كل ليلة
احتمال الطلاق في أي وقت
عاوزة راجل يشوفني زي ما أنا
بـ خوفي .. والماضي بتاعي
واحلامي الكتيرة في بيت
مليان شقاوة أطفال
وريحة عيش طازة
وبطاطس محمرة
مش عايزة راجل يجبرني
أكون جميلة 24 ساعة وعلى سنجة عشرة
علشان يحبني
.
قالت ما قالت
ثم صمتت فجأة كما تكلمت فجأة
!!
**
تأثرت الست ليلى بما قالته يارا
فـ شاركتنا ما يجول في رأسها من أفكار
قائلة : أنا مش عاوزة أخلف عيال
يربطوني بيه كل مااحس انه بيفلت مني
ولا عاوزة أطبخله اللي بيحبه
ولا أحط قدامه كل حاجة بترضي ذوقه هو
ولا ابتسم لما يغلط ويخون علشان اعدي الموقف
وكأن أنا اللي غلطانة وهو اللي محتاج انه يغفرلي
ومش عايزة أصالحه بالأكل
ولا بالسرير
" قالت بالسرير في همس و خجل وهي مطرقة رأسها في الارض "
وقالت بانفعال
ولا عايزاه يرجع اصلا لسريري
ولا ينام جانبي من أساسه
ولا أقف معاه تحت الدش واحنا بنستحمى
زي ما كنا بنعمل زمان كل ليلة بعد ما التعب يهدنا
لكن دلوقتي كل حاجة جوايا بتتاكل
أنا مش عايزة أعيد الماضي معاه
لمجرد إني حنيت لأحلى أيام عشناها سوا
أنا مش محطة يرجع لها وهو متطمن
كل ما بتاعه يكسفه قدام واحدة جديدة من شراميطه
ومايرضاش يقف ويزنهر
مش عايزاه يقولي بحبك يا ليلى
طالما قلبه مش عارف قيمة الكلمة دية
أنا هاقوله بعد فرح ابن اخوه لو حب يفارق .. يفارق
أنا عندي اللي يكفيني
ومش محتاجة راجل يصرف عليا
انا مش عايزة راجل يحتاج لمجهود كبير
علشان يقرر يحبني ويخلصلي
.
صمتت الست ليلى
ثم انفجرت في البكاء
:(
**
لم تشترك مها معنا في تطييب خاطر الست ليلى
ولا بادرت حتى في تقديم إليها المحارم الورقية
لتمسح دموعها
فقد كانت مها غارقة في افكارها الخاصة
لأنها فجأة قالت
إحنا كنا تمانية
أبويا وأمي
وأنا واخواتي الخمسة
أمي كانت كل ليلة
تحط العيش على الترابيزة
وتقسمه علينا بالتساوي
كل واحد رغيف
كانت بتعرف تقسم علينا العيش كويس
لكن عمرها ما عرفت تقسم علينا حنانها بالتساوي
دايما كان فيه حد بياخد حنان أكتر من التاني
ودايما كان فيه حد بيحاول
يتعلم انه يكتفي بالحنان القليل اللي متقدم له
وانا دايما كنت الحد ده
-_-
**
تنهدت وردة
ومسحت بكفها الأيمن على بطنها المستديرة
الممتلئة بـ طفلها الثاني
وقالت
أنا مش عايزة أخلف نسخة تانية مني
أنا عايزة عيالي يعيطوا عادي
من غير ما يتكسفوا من دموعهم أو يداروها
عايزة عيالي يتعلموا يعتذروا لبعض
إحنا في بيتنا مكنش فيه حد بيتأسف للتاني
وكأن الإعتذار حرام
كنا بنستنى اللي زعلان ينسى
ونقعد نتكلم على أي حاجة تانية وخلاص
نتكلم على الجيران
نتكلم عن الجو
نتكلم عن الطبيخ
وكأن الزعل اللي جوانا ده هيتمسح
لما نتكلم عن جارتنا اللي عاملة دقية بامية أورديحي
-_-
**
عزيزي إ
بعدما إنتهت وردة من مشاركتنا ما يدور بـ خلدها
نظروا لي ربعاتهم
وكأن دوري في الحديث / الفضفضة ..قد جاء
ولكني نظرت لهم بـ نظرة بلهاء
وقلت لهم
لأ .. أنا معنديش حاجة أقولها
أنا كويسة والحمد لله
ومش زعلانة من حاجة ولا زعلانة من حد
.
نظروا لي بـ شراسة وغيظ
وكأنهم ينتظروا أن افصح عما بـ داخلي
كما أفصحوا عما بداخلهن
حتى لا يشعروا بأني أقوى منهن في كتمان هواجسي
.
فـ استسلمت لـ نظراتهن الشرسة
وقلت لهن : بس ممكن احكيلكم حلم غريب حلمته
ولو حد عنده تفسير يقولهولي
فقالت الست ليلى : احكي .. أنا بعرف أفسر أحلام
**
حلمت أن عمي رفعت يجلس بجانبي
وهو مطرق الرأس في همْ
فـ ربتّ أنا على كتفه
فـ رفع رأسه ونظر لي
وهز رأسه في آسى بالغ
وقال بـ لغة عربية فصحى
" سارة هي خطؤه "
ثم انحنى ومد يده خلع عني الحذاء الذي كنت ارتديه في الحلم
كان حذاء اسود بها تقشير في جلده
واخذ الحذاء ورحل
-_-
**
عزيزي إ
لم تفسر لي الست ليلى المنام
كل ما قالته لي هو
" خير .. خير "
.
خرج عزوز من غرفة البروفة
وانفرد بالست ليلى جانبا
لمناقشة تفاصيل قصّة الفستان
**
في أخر اليوم تركت صُحبتي النسائية
وتركت الإسكندرية كلها
ورحلت إلى القاهرة .. القاهرة
.
وكما تعلم يا عزيزي
أنا لا يحلو لي الرجوع من الإسكندرية إلى القاهرة
إلّا مترجلة
لا أستقل أي وسيلة مواصلات
فـ الرجوع من حياتي الخيالية إلى الواقع
يحتاج إلي قدم وساق
:)
**
عزيزي إ
في ختام رسالتي
أهدي لك هذ المقطع
لعلك تفهم منه مقصدي
-_-
#######
أخـر الـكـلام
وكأن روحـي مُـدانـة بـ نـعـمـة الـخـيـال
______________
إنـــتـــهـــى


