Wednesday, February 11, 2026

سـرديـة الـمـقـهـى

 


في محاولة مني 

أن أنزع عني كآبتي

أقرر أن أذهب إلى موقف المواصلات

وأركب حافلة عامة 

لا تسأل أحد عن واجهة وصوله


أجلس في المقعد الأخير 

أنظر إلى وجوه الناس ... الشقيانة 

وأشعر بـ راحة انهم لا ينتظرون مني شيئا

.

أهمس لنفسي

لا بأس يا نون إن كان العالم لا يحتاجك

أنتِ أيضا يا غاليتي لستِ بـ حاجة إليه

.

انظر من النافذة 

ألاحظ أن الأشجار لم تعد تلوح لي

ثم أدرك أن لا أثر لوجود الأشجار من الأساس 

أتسائل : أين خبأوا أشجار مدينتي ؟

!!!

.

أنزل في أخر الخط

أنتقي مقهى شعبي  

أجلس على أحد المقاعد المترامية

 على الرصيف الخاص بـ المقهى

وما أن أجلس

حتى يأتي الساقِ بـ خرقة في يده

ويقوم بمسح الطاولة الخشبية بحركة سريعة 

وهو يسألني دون أن ينظر لي  

 إإمري يا آنسة .. أجيب لسيادتك إيه ؟ 

فـ أطلب منه  قائلة : قهوة مانو لو سمحت

وشيشة لمون 


 ما أن أنطق بـ كلمة 

" شيشة " 

حتى يرفع فجأة الساقِ نظره إليّ 

ويقوم بـفحصي بنظرة سريعة  

ثم يوجه بصره  لداخل المقهي

و يقول بصوت عالٍ أجش

وعندك واحد مانو وشيشة لمون للدكتوووورااااا


يختفي الساقِ عن نظري

ثم يظهر فجأة وفي يده زجاجة مياه  معدنية صغيرة 

وكوب فارغ 

ويضعهما امامي على الطاولة 

ويختفي مرة ثانية 

.

 في انتظار تحضير طلبي

اراقب البنايات المقابلة للمقهى

اجول ببصري على  النوافذ المفتوحة

وتلهب خيالي النوافذ المغلقة 

فـ منها _ النوافذ المغلقة _ تعلمت أن أرى وأنا لا أرى 

أي .. أتخيل حيوات مختلفة ورائها


يقطع خيالي

ظهور قطيطة صغيرة 

تقترب مني بـ هوادة 

تقف لـ تراقبني قبل أن تقترب مني أكثر 

وتتمسح في قدمي

أمد يدي لها أمسح على رأسها

فـ ترفع رأسها  وتنظر لي 

تتشمم أناملي

ثم تشرئب بجسدها كله

ثم تفاجئني بـ قفزة وتستقر على فخذي

أبتسم

أربت على ظهرها

وأملس على جسدها

فـ تعدل من وضعيتها لـ تستقر أكثر

ثم تغمض عينيها

أربت عليها تربيتات هادئة متلاحقة 

وأشعر بأمومة نحوها

أتخيل أنني ارضعها حليب ثدي

فـ تصير ابنتي بـ الرضاعة 


يظهر الساقِ مرة أخرى 

وبيده اليمنى صنية عليها فنجان قهوتي

وبيده اليسرى الـ شيشة 

يضع الصنية على الطاولة 

ويرتب الشيشة أمامي على أرض الرصيف

ويقول لي

الولد هايجي يظبطلك الفحم حالا

وقبل أن يختفى  يلمح القطيطة 

فـ يقولي لي 

أهشهالك ؟

فـ لم أتبين الكلمة أول الأمر 

فـ أساله  : إيه ؟

فـ يقولي لي وهو يشير إلى القطيطة 

مضيقاكي القطة ؟  أهشهالك ؟

فـ اهز رأسي ويدي بالنفي 

وأقول له : لا لا لا 

مش مضيقاني ولا حاجة 

سيبها في حالها

يبتسم لي ويهز رأسه بالإيجاب

 ويختفي عن ناظري 


يأتي صبي معه منقل فحم وماشة 

يضع بضعة فحمات على الحجر

ثم يقول لي 

جربي كدة يا باشمهندسة 


أسحب نفس طويل 

أخرج دخان كثيف من أنفي وفمي 

أقول له : تسلم إيدك .. مظبوط


انفصل عن العالم

بـ انشغالي بـ احتساء القهوة 

وسحب أنفاس من الشيشة 

وبـ تربيتي على ظهر القطيطة


لا يخرجني من شرودي 

سوى ظهور إمرأة 

تتشح بالسواد

كل ما ترتديه  كان اسود اللون

بنطالها

 بلوزتها 

معطفها

طرحتها

حذائها

حقيبتها


سمراء  .. خمنت انها أسوانية من درجة سمار بشرتها

مليحة الملامح .. رغم علامات الإجهاد الشديدة 

البادية على وجهها


كانت تسير بـ إعياء واضح

وحبات العرق متناثرة على صفحة وجهها المليح المجهد


ربتّ على ظهر القطيطة 

تربيتة مستئذنة

واخفضت رأسي

وهمست لها

ممكن يا بسبوسة  أقعدك على الكرسي علشان محتاجة أقوم ؟

رفعت القطيطة رأسها وهي مغمضة العينين

فـ حملتها وقمت من مجلسي

فـ استجابت القطيطة لحملي لها

ثم وضعتها مكاني على المقعد

واتجهت من فوري إلى السيدة 

مددت يدي لها لـ أسندها 

فـ نظرت لي متفحصة 

فـ أطمئنت لي 

وناولتني يدها 

قلت لها : تعالي .. تعالي  ارتاحي هنا 


كان الساقِ لاحظ قيامي فجأة

 فـ جاء ورائي

وحين رأى المشهد

فـ قام بـ إلتقاط مقعد أخر 

ووضعه بجوار مقعدي 


ساعدتها على الجلوس

كانت تأخذ أنفاسها بـ صعوبة 

سألتها : أجيبلك إيه ؟ 

حاجة مسكرة ؟ .. ولا حاجة حادئة ؟

فـ قالت من بين أنفاسها المتلاحقة 

حاجة حادئة لو سمحتي 

فـ رفعت رأسي لـ الساقِ

وقلت له : ممكن تجيب من  أقرب مطعم ساندوتشات ومخلل 

 وضيف حسابهم على حساب الطلبات

بس بسرعة لو سمحت

فـ أجاب  : من عنيا 

 وانطلق نحو المطعم


قفزت القطيطة من المقعد

ونزلت إلى الأرض

تراقبني أنا والسيدة 

فـ استرددت مجلسي في المقعد

ثم ربتت على فخذي وأنا أقول للقطيطة 

تعالي يلا يا بسبوسة هنا 

واشرت لها لـ فخذي

فـ ترددت القطيطة لـ لحظات

ثم آبت أن تسترد مكانها في فخذي

واكتفت بـ أن تتمسح في قدمي 

واستكانت أمام ناظري .. تحت الطاولة   


 ابتسم لـ تصرفها 

وانظر إليها وأفكر بأنني تعلمت من القطط 

كيف أنجو من المحبة الزائدة 

وأتذكر بـ أن أحد أزواجي 

كان يلقبني بـ القطة 

ويقولي لي 

أنتِ مثل القطط  تماما

تهربين من العاطفة الزائدة عن الحد

وتخمشين من يقترب منك دون ارادتك


يظهر الساقِ

وبيده لفافة 

بها ساندوتشات  فول وطعمية 

وطبق من الفوم به قطع من الجزر واللفت المخلل

تمد المرأة يدها 

وتقول ده كتير 

أنا عايزة مخلل بس

أناولها الطبق 

فـ تلتقط قطع الجزر وتقضمها بـ بطء 


بعدما استعادت السيدة أنفاسها

وجفت حبات العرق من على وجهها

قالت لي : ألف شكر 

ابتسمت لها وقلت : العفو يا حبيبتي 

المهم انتي أحسن دلوقتي ؟

هزت رأسها وقالت بـ إمتنان واضح : الحمد لله


كنت أريد أن أسألها عن سبب إعيائها 

ولكني إلتزمت الصمت

لم أود أن أظهر بـ مظهر المتطفلة الفضولية 

ولكن الله كريم 

لم  يرضى لي بالفضول الصامت

فـ جعل السيدة تتطوع  وتقول لي من تلقاء نفسها

 أصل أنا كنت هنا  في هرمل .. باخد الجرعة 

فـ صمت لحظات لأستوعب الجملة 

ثم هززت رأسي 

وقلت لها : ألف سلامة عليكي .. بالشفا إن شاء الله 


جمعتنا لحظة صمت

قبل أن أسألها

هو مفيش حد يجي معاكي بدل ما تبقي لوحدك ؟

فقالت لي بإبتسامة جميلة حانية 

العيال عندهم مدارس ودروس 

وأبوهم برضه عنده النهاردة  جلسة كيمو في المركز الطبي

 ثم سألتني : عارفاه ؟ .. اللي في طريق الإسماعيلية ده

هززت رأسي

وقلت بـ حزن  : أيوة .. أيوة عارفاه

ثم استطردت قائلة :  ألف سلامة عليكي وعلى جوزك

ربنا يتمم شفاكم على خير يارب

فقالت دون أن تختفي ابتسامتها  : الله يسلمك ... الحمد لله


كانت قد استعادت عافيتها نوعا ما

فـ بدأت بـ ملاعبة القطيطة 

ثم همت بالوقوف

والتقطت حقيبتها

وسألتني : هي الساندوتشات بكام ؟

فـ قلت لها  : عيب عليكي ...  حسابهم عليا 

قالتلي : لأ مش هينفع 

فقلت لها : دول حاجة بسيطة  تقبليهم مني كـ عزومة  من فضلك

ابتسمت وقالت لي : شكرا .. هو انتي اسمك إيه ؟

قلت لها : نوران .. بس لو الإسم صعب او هتتلخبطي فيه

 وتقولي نورهان 

يبقي  ممكن تقولي نورا أسهل

فـ ابتسمت جدا وقالت : لا لا  ده نوران إسمه حلو

  ومش صعب ولا حاجة 

فـ سألتها بدوري : وإنتي إسمك إيه ؟ 

فـ ابتسمت جدا جدا حتى بانت نواجذها  .. وقالت 

إسمي نوران 

فـ نظرت لها بدهشة وأنا ابتسم 

وقلت : بجد والله ؟

فقالت لي : أيوة والله .. نوران برضه 

فقلت لها وأنا أضحك : يا محاسن الصدف 


قبل أن تذهب

تبادلنا أرقام الهواتف

على وعد بأن نتصادق في المستقبل

وبأن نتبادل المكالمات كل حين

 للإطمئنان على بعضنا البعض

**

كانت  القطيطة قد اختفت فجأة

دون أن ألاحظ اختفائها

فـ اعتبرت اختفائها إشارة بأن أختفي أنا ايضا

وأنا أعود إلى منزلي 

فـ ناديت على الساقِ

ودفعت الحساب

وابتعدت عن المقهى خطوات

 وقررت بأن أسير بضعة دقائق

 في شوارع القاهرة _ القاهرة _  بلا هدف

.

مشيت في الشوارع

ولاحظت أن للقاهرة وجه كئيب 

والناس فيها يبدون كـ سكارى 

وما هم بـ سكارى 

هم فقط منهكون جدا

.

أقرر أن  أعود لـ منزلي 

فـ أستقل سيارة أجرة 

" تاكسي "

يسألني السائق : تحبي ناخد طريق إيه ؟

فقلت له : أطول طريق 

هز رأسه كمن أدرك رغبتي في عدم الوصول لوجهتي سريعا

ومد يده إلى جهاز الراديو 

وعبث به قليلا

حتى ظهر صوت أم كلثوم وهي تغني قائلة

بيني وبينك هجر .. وغدر.. وجرح في قلبي داريته  

بيني وبينك ليل .. وفراق .. وطريق انت اللي بديته

**

أدلف إلى منزلي  وأنا خفيفة 

 كـ فكرة فاشلة  .. تختفي بمجرد ظهورها 

وأفكر بأنه من المريح جدا

بأن يكون المرء غير مهم

.

أدلف لـ غرفتي

أجلس على حافة الفراش وانا اخلع عني ملابس

 أجدني أهمس لـنفسي في شرود

 " أنا محتاجة محمد دلوقتي "

ثم أهز رأسي بـ النفي 

وأقول : تؤ  تؤ .. أنا محتاجة أرقص

فـ أقوم فجأة وأرقص في منتصف الغرفة 

  وأنا  أدندن قائلة 

كانت جامدة بس معايا سايبة 

كانت عاقلة بس معايا هبلة 

كانت ساكتة ومعايا شقاوة 

كانت حر وعلى قلبي طراوة 

:)

__________

انـــتـــهـــى

2 comments:

Anonymous said...

مساء الفل
https://on.soundcloud.com/zNIfUlbkHKkllmAAFJ
https://on.soundcloud.com/FmRamjbWD7hOdhKmaf
Hossam

الـسـيـدة نـون said...

Hossam

:))
حلوين أوي يا سمسم .. وعاجبني أوي معنى إسم المقطوعة الأولى

تسلم ذوقك

users online