Sunday, March 29, 2026

عــ الـــحـــدود

 


كنا بعد منتصف الليل بـ ساعتين تقريبا 

 حين أوقفنا شرطي في نقطة تفتيش على الحدود

وصعد إلى الحافلة 

ووجه  نظرة فاحصة سريعة 

لنا وللسائق

ثم أمر _ بنبرة حازمة _ السائق

أن يطلعه على الأوراق والتصاريح 

فمد له السائق يده ببضعة أوراق

نظر فيها الشرطي بــ تمعن

ثم وبنبرة صارمة أمره

أن يرتجل من الشاحنة وأن يذهب إلى الكمين  

ونظر إلينا وهو يشير إلى باب الحافلة 

وقال : النساء أولا 

**

في مرورنا بجواره متجهين إلى باب الحافلة نزولا

مد بصره إلى شرطي أخر يقف خارج الحافلة 

وقال له : استلم  الحريم 

**

لم أكن أول النازلات من الحافلة 

ولم أكن آخرهن

كنت بينهن .. لا شيء يميزني عنهن

سوى أنني كنت أقصرهن طولا 

وأصغرهن حجما

وأهداهن ملامح 

وجهي لا يحمل أية أصباغ تجميلية

وشعري قسمته إلى ضفيرتين

فـ إزدادت ملامحي براءة وطفولة 

حتى أن الشرطي  الجالس  في الخيمة 

اعتقد انني إبنه إحداهن

وحين وضحت له انني وحدي

وغير تابعة إلي أية منهن

تعجب ورفع حاجبيه دهشة 

وسألني : سِنك ؟

وحين أجبته : 48 سنة

ضحك بـ سماجة وقال لي 

 " ده أنا أقولك يا خالتي بقى ههه "

فـ نظرت له بـ وجه خال من أي تعبير 

وقلت له بنبرة جوفاء : قولي يا ستي 

فـ ابتسم في أول الأمر 

 ثم بعد هنيهة  وحين فهم مقصدي 

كشر وقطب حاجبيه

وقال لي : طب اتفضلي روحي اقفي معاهم في الصف

**

جاءت إمرأة 

سألتنا  : معاكم حاجة في هدومكم ؟

نظرنا إلى بعضنا البعض وهمهمنا

ثم اتفقنا أن  لا 

فقالت : طيب كل واحدة ترفع إيدها  كدة

 وتبعد ما بين رجليها


فعلنا ما أمرتنا به

ومرت علينا بجهاز 

مررته على أجسادنا وبين فخذينا

في سرعة وخفة 

**

واجهت المرأة  " المفتشة "  مشكلة صغيرة 

مع إثنتان منا

فقد كانتا يرتديان عباءة  طويلة 

فـ أخذتهن معها وراء الخيمة 

وسمعناها تطلب منهن أن يرفعن عبائتهن للتفتيش

**

"  كلهم نـُـــضـــاف يا فـنـدم "

قالتها المرأة " المفتشة " بصوت عال

موجهة وجهها نحو ظابط يجلس بهدوء على مقعد 

ويمد قدمه على مقعد أمامه

كان جسده لا مبال 

يرتدي نظارة شمسية رغم الليل الذي يلفنا

ويدخن سيجارة 

هز رأسه  بـ الموافقة 

ثم قال على مهل وبصوت صنديد

" الشُنط يا عوف "

**

فهمنا _ نحن النساء _ أن  جملة 

" الشنط يا عوف " 

معناها أمر بتفتيش حقائبنا

واعتقدت أنا .. أن هناك شرطي اسمه عوف 

سيقوم بمهمة تفتيش الحقائب

ولكن  _ولدهشتي  _ وجدت أن المرأة " المفتشة " تتجه نحونا

وتقول : كل واحدة تفضي شنطتها قدامها هنا على اللوح


واشارت إلى لوح خشبي طويل من خشب الأبلكاش 

مثبت في ماسورة 

لم استطع أن أتبين من أين تأتي تلك الماسورة 

ولكن الماسورة مع اللوح الخشبي

يشكلان بارا طويلا  يمتد لعدة امتار

ارتفاعه حوالي متر 

وعرضه حوالي 50 سم

**

اتجهنا نحو البار لـ إفراغ حقائبنا

وفي مروري بـ جانب المرأة " المفتشة " توقفت

وسألتها بـ دهشة : هو حضرتك إسمك عوف ؟

!!

ابتسمت وهي تشير لي إلى اللوح / البار وتقول لي 

" كلنا هنا اسمنا عوف "

ثم قالت تحثني على الإسراع

يلا .. يلا .. شهلي .. خلينا نخلص 

**

كنا تسع من النساء .. أي تسع حقائب 

تسعة حقائب تكشف محتويات  كل حقيبة 

عن شخصية  صاحبتها

" يالها من غنيمة "

-_-

**

_ 1 _

حقيبة نـهـى


كانت نهى تحمل في حقيبتها

طفولتها

ودعوات أمها

وأكتاف إخوتها

وخذلان أبيها لهم 

**

_ 2 _

حقيبة سـارة 


كانت سارة تحمل في حقيبتها

أحلام أنوثتها

وقلما بحبر سري

تسجل به أسماء أحبّتها

وخوفها من شبح العنوسة الذي يطاردها

والذي بسببه  _  أي خوفها _  تتعدد في علاقاتها بالرجال 

آملة أن يتزوجها أحدهم

**

_ 3 _

حقيبة سـمـاح


كانت سماح تحمل في حقيبتها

أول طريق شهد على نطَات حجلة خجلها

حين دق قلبها لأول حب

**

_ 4 _

حقيبة مـنـى


كانت منى تحمل في حقيبتها

دمية  بدائية مصنوعة من القطن 

مغروز بها دبوس

ومرسوم عليها طلاسم

تؤمن بها منى انها _ أي الطلاسم _ سـ تحفظها 

من عين كل حسود 

**

_ 5 _

حقيبة دعـاء


كانت دعاء تحمل في حقيبتها

قلبها المكسور

المتمثل في صورة لزوجها المعتقل 

**

_ 6 _ 

حقيبة شـيـمـاء


كانت شيماء تحمل في حقيبتها

أبواب مواربة 

ومرآه .. تعدل فيها ابتسامتها 

بـ إصبع شفاه بـ لون أحمر قاني

**

_ 7 _

حقيبة هـيـام


كانت هيام تحمل في حقيبتها

إمرأة عجوز

تلقبها بـ 

" جدتي "

وتحمل في الجيب الخلفي من حقيبتها

سكاكين لتنظف بها وجهها 

**

_ 8 _ 

حقيبة  رشـا


كانت رشا تحمل في حقيبتها

سحاقيتها

وميولها الجنسية الشاذة  نحو صديقتها رحاب

**

_ 9 _

وأخيرا .. حـقـيـبـة السـيـدة نــون

حـقـيـبـتـي 


أنا كنت عادية 

لا أحمل  أية أشياء معنوية كـ  رفيقاتي 

 بل كنت أحمل في حقيبتي أشياء 

مادية .. ملموسة  .. واضحة  .. جلية 


كنت أحمل قنبلة يدوية صغيرة 

وبضعة زجاجات من المولوتوف

ومسدس كورث رينجر

وسكين ذو شفرة حادة 

ولفافة واحدة من أصابع الديناميت 

وعلبة رصاصات

وكبريت

وميدالية متعددة الأدوات

والمزيد من الرصاصات

وقناع واق من الغازات السامة 

وبالطبع كنت أحمل محارم ورقية  وكحول 


ولأني أصاب دائما بـ تشقق الشفاه

فـ كنت أحمل معي اصبع مرطب لـ شفاهي


هذا  ببساطة كل شيء 

-_-

**

كم مر من الوقت 

وكل أفراد نقطة التفتيش 

من أصغر رتبة إلى أكبر رتبة

والسيدة " المفتشة " .. ورفيقاتي

والسائق

والرجال الذين كانوا بصحبتنا في الحافلة 

وهم ينظرون إلى محتويات حقيبتي بـ دهشة 

فارغين فاهم

فاقدين للنطق ؟

حقيقة لا أعرف كم مر من الوقت

ولكن .. لاح نور الصباح علينا

**

هل فعلا تنتظرون مني فقرة النهاية ؟

!!

أليست النهاية واضحة ؟

!!

عموما .. حتى  تصيبكم مني عدوى الخيال

سـ أساعد خيالكم بـ تلميح صغير 


أنا يا سادة لم أهرب 

ولم ألتفت لـ دقات قلبي المتسارعة 

ولم أندم لحظة على قرار اتخذته منذ الصغر


فـ حين كانوا هم فارغين فاههم

يتناقشون فيما بينهم عن مصيري

كنت أنا اقف أمامهم .. ولكني لست معهم 

 فقد كنت منشغلة _ في مخيلتي _ بـ أغصان زيتون

 الولجة * ويعبد *

كنت منشغلة بـ بساتين برتقال يافا الشموطي  

كنت ادفن كل  ذكرياتي   _ مع أبو إبراهيم  _ في ندوبي 


كنت _ كي أنجو  _ أحتمي بـ المجاز و .. الخيال 

-_-

______________

إنـــتـــهـــى


No comments:

users online